أم النار
المستوطنة والمقبرة

في القاعة الرابعة وبعد معروضات هيلي يستطيع الزائر أن يطلع على مكتشفات جزيرة أم النار التي تقع جوار مدينة أبو ظبي، تلك الجزيرة التي أعطت اسمها للحضارة الجديدة التي اكتشفت فيها لأول مرة عام 1959. وحضارة أم النار التي ترجع في تاريخها إلى النصف الثاني من الألف الثالث قبل الميلاد، أي إلى نفس معروضات هيلي تمثل الوجه الساحلي لهذه الحضارة. لقد كشفت التنقيب الذي أجرته البعثة الدنمركية في هذه الجزيرة وكذلك الفرق الأخرى مثل البعثة العراقية والفرق المحلي عن أجزاء من الموقع الأثري للجزيرة والذي يتكون من مستوطنة ومقبرة تضم خمسين مدفناً.

لقد تم تنقيب أجزاء قليلة من المستوطنة السكنية للجزيرة وتم اكتشاف وحدات سكنية وبناية كبيرة وصفت بأنها كانت مخزناً للبضائع. أما المكتشفات الأثرية فقد تنوعت منها كميات من سنارات صيد السمك وثقالات الشباك وأقراص المغازل ومثاقب وأبر خياطة وشفرات برونزية ومدقات وكميات كبيرة من الفخار وعظام الحيوانات، تم منها عرض ناب لحيوان بقر البحر (الخزانة 128). وهذا الحيوان الذي لا يزال يعيش في المياه الضحلة إلى الغرب من أبو ظبي قد كان مفضلاً لدى الصيادين عبر عدة آلاف من السنين وقد شكّل جزءً كبيراً من الغذاء آنذاك حيث تم العثور على كميات كبيرة من العظام. وتشير الأدلة كذلك على أن بقر البحر الذي تحميه القوانين الحالية لدولة الإمارات وتحرم صيده كان صيداً مفضلاً  لدى سكان السواحل منذ بداية الألف الخامس قبل الميلاد، وبالإضافة إلى لحمه فقد كان يستفاد من جلد هذا الحيوان وزيته.

أما مدافن جزيرة أم النار فهي تشبه من حيث تخطيطها وعمارتها المدافن الموجودة في هيلي والتي تعود إلى نفس الفترة الزمنية، وهي عبارة عن مباني دائرية ذات غرف متعددة، ولكل مدفن منها مدخلان يؤديان إلى تلك الغرف. ومكتشفات أم النار المعروضة في متحف العين تشمل أسلحة من النحاس والكثير من أواني الفخار والقلائد والحلي الأخرى، منها دبوس فريد من الذهب كان يستعمل لربط الشعر (الخزانة 129). وهذا الجناح من المعروضات يحتوي على مكتشفات أخرى منها تمثال غير كامل مصنوع من الحجر الجيري يمثل إنساناً واقفا تم تشكيله بطريقة بين النحت البارز والمجسم وهو مفقود الرأس. وبالإضافة إلى هذا التمثال توجد منحوتات أخرى عليها رسوم حيوانات كانت تزين الجدران الخارجية لبعض من تلك المدافن، ومن هذه الرسوم غزال المها والثور والثعبان والجمل.

وموضوع استئناس الجمل هو من المواضيع التي تستوجب التوقف عندها قليلاً، حيث تم العثور على كميات كبيرة من عظام الجمال بين أنقاض المستوطنة مما يعني أن سكان أم النار قد اقتاتوا أيضاً على لحم هذا الحيوان. وبالرغم من عدم وجود دليل قاطع على استئناس هذا الحيوان في تلك الحقبة فإن احتمال تربيته يجب أن لا يستبعد تماماً. ومن خلال الدليل الحالي فإن هذا الجمل قد استأنس في الربع الأخير من الألف الثاني قبل الميلاد. وقد جاء هذا الدليل من خلال دمى الطين والرسوم على الحجر إضافة إلى النصوص الكتابية. ً     

وإلى جوار معروضات أم النار السالفة الذكر تم تصوير الرسوم المنقوشة على بوابتي مدفن هيلي الموجود في وسط متنزه الآثار في هيلي بحجم يوازي نصف حجمها الأصلي. وهذا المتنزه يستحق الزيارة حيث يوجد فيه عدد من مواقع الآثار، وفي الحقيقة أن هذا المدفن هو واحد من مدافن كثيرة تعود إلى العصر البرونزي موجودة داخل وخارج المتنزه ويعتبر من أهم المعالم الأثرية المعرفة في دولة الإمارات العربية المتحدة وقد استخدمت فيه أحجار ضخمة زين البعض منها برسوم بارزة. وعلى المدخل الشمالي لهذا المدفن تم نقش رسوم آدمية وحيوانية، منها رسم لشخصين يعانق احديهما الآخر، بينما يشاهد شخص ثالث وهو يركب حماراً يسير خلفه شخص يمسك بما يشبه العصا. وفي أسفل هذا المدخل كذلك تم نقش حيوانين كبيرين ربما يمثلان نمرين أو لبوتين بينها غزال صغير. أما المدخل الجنوبي مزين برسمين متقابلين لغزال المها بينهما يقف شخصين يمسك كل منهما بيد الآخر.

وفي الخزانات الثلاث الموجودة أمام هذه الرسوم (130 – 132 ) توجد أنواعاً أخرى من فخار أم النار تشبه تلك التي تم اكتشافها في هيلي. وهذه الفخاريات من النوع الأحمر أو الرمادي وقد تم عرضها سوية مع أواني صغيرة من حجر الكالسايت أو الألباستر.

وإلى جوار رسوم هيلي توجد خزانة رقمها 133 فيها صور بالأسود والأبيض لمدافن أم النار. ومع هذه الصور تم عرض مجموعة من الفخار الأحمر الرقيق المزخرف. إن أكثر الجرار أهمية تلك الجرة المزينة برسم ثور يذكر برسوم مشابهة كانت معروفة في حضارة وادي السند. أما الخزانة المجاورة ففيها تم عرض خمس جرار تعود إلى عصر فجر السلالات الثالث في بلاد الرافدين، وهذه الجرار تعتبر من الجرار العراقية المستوردة إلى المنطقة.

لقد كشفت أعمال المسح والتحري عن المواقع الأثرية عن مواقع جديدة تعود إلى عصر أم النار والتي كانت محصورة من قبل في منطقتي هيلي وجزيرة أم النار فقط. ومن تلك المواقع موقع غناضة الذي يقع بين مدينتي أبو ظبي ودبي حيث تم اكتشاف مستوطنة فيها كان أهلها يمارسون الصيد البحري بالدرجة الأولى. ومنذ ذلك الحين بدأت أدلة أخرى تشير إلى امتداد تلك الحضارة بالظهور في أماكن أخرى من أرض الإمارات، ففي عام 1986 تم اكتشاف مدفنين في منطقة المويهات في عجمان تم تنقيبها من قبل فريق من إدارة الآثار والسياحة بالعين، ولذلك فإن متحف العين يعرض بعضاً من مكتشفات هذين المدفنين في حين يعرض متحف عجمان الباقي. والمدفن الأول دائري الشكل تم بناؤه فوق سطح الأرض بينما المدفن الثاني مستطيل بطول أربعة أمتار وعرض مترين اكتشفت فيه بقايا 120 هيكلاً عظمياً تم تنقيبها بالكامل. ونظراً لعدم العثور على بقايا للعظام في المدفن الأول (الدائري) يعتقد بأنه قد أخلي من موتاه ليعاد استعماله من جديد. لقد كنا قد فسرنا غياب العظام في المدفن الدائري المجاور للمدفن N الموجود في حديقة هيلي، وهي حالة مشابه لما اكتشف في عجمان، على أنه مدفن أخليت عظامه عمداً من أجل إعادة استخدامه من جديد ولكن أعمال التنقيب الأخيرة التي يقوم بها عدد من المتخصصين بعلم الإنسان في المدفن الأخير تجعلنا أن نعيد النظر بهذا الرأي، حيث تبين أن بعضاً من عظام الهياكل لا تزال مرتبطة ببعضها البعض، مما تشير إلى أن بعض الموتى على الأقل قد قبروا في هذا المدفن بعد الموت مباشرة ولم يمروا بالمدفن المجاور.

وإضافة إلى المواقع المذكورة فقد تم اكتشاف مستوطنة سكنية في قرية البدية الكائنة شمال مدينة الفجيرة. وبالرغم من عدم وجود آثار معروضة من هذه المستوطنة في متحف العين الوطني لا بد من الإشارة إليها  باعتبارها أول دليل على اكتشاف آثار لتلك الحضارة في المنطقة الشرقية من دولة الإمارات. ولقد قادت عملية التنقيب التي أجرتها إدارة الآثار والسياحة هناك على اكتشاف أسس لبناية دائرية تذكّر ببناية هيلي 8 . وقد أنشئ الجدار الخارجي لبناية البدية وهو جدار مزدوج بالحجر بينما تدل بقايا الجدران الداخلية على أنها كانت مبنية من اللبن والطين.

هذا وقد تم في السنين القليلة الماضية اكتشاف مواقع أخرى تعود إلى حقبة أم النار في أماكن متفرقة من أرض الإمارات مثل شمل في رأس الخيمة والدور في أم القيوين والصفوح وحتا في دبي ومليحة في الشارقة.